روايات

منعت مراتي

اللحظة.
بقيتُ وحدي، في بيتٍ أصبح فجأة واسعاً جداً.. وخاوياً جداً. لم تكن الڤضيحة هي ما حطمني، بل كان إدراكي المتأخر أنني هدمت أثمن ما في حياتي بيدي، فقط لأني خفت من مواجهة الحقيقة.
مرت الأشهرُ ثقيلةً كأنها دهر، تركتُ البيتَ كما هو، بكل ذكرياته التي تحولت إلى خناجر تغرس في صدري كلما نظرتُ إلى زاويةٍ من زواياه. لم أعد ذلك الرجل الذي يختلق الأعـ,ـذار، فالحقيقة التي كنتُ أهرب منها أصبحت هي جليسي الوحيد في ليالي الوحدة.

ذات يوم، بينما كنتُ أجلس في مكتبي الصغير الذي أعمل فيه الآن كمحاسب حر، بعد أن خـ,ـسرتُ وظيفتي ومكانتي الاجتماعية، رن هاتفي برقمٍ لم أره منذ زمن. كان رقم حسام.
قلبي دق پعنف، ترددْتُ في الرد، لكنني ضغطتُ على زر الاتصال بيدي المرتجفة.
ألو؟
محمود.. نجلاء تـ,ـعبانة. هي مش عايزة تشوفك، بس أنا قولت أبلغك.
سقطت السماعة من يدي للحظات، ثم التقطتها بسرعة تـ,ـعبانة؟ إيه اللي حصل؟ أنا جاي فوراً!
قلتـ,ـلك هي مش عايزة تشوفك. لكن، فيه حاجة لازم تعرفها..

نجلاء، رغم كل اللي عملته، لسه محتفظة بدبلة الجواز في رقبتها، مش عشان بتحبك، لكن لأنها لسه بتدور على إجابة لسؤال واحد هل كل السنين اللي عشناها كانت كـ,ـدب في كدب؟. هي محتاجة تعرف لو كنت حبتها بجد، ولا كنت بتستغلها بس.
أغلقتُ الخط، ووجدتُ نفسي أقود سيارتي پجنون نحو بيت أبيها، البيت الذي منعتها من دخوله لسنوات. وقفتُ أمام الباب، طرقتُه وأنا أعلم أنني قد أُطرد أو أُهان، لكنني كنت مستعداً.
فتح حسام الباب، ونظر إليّ بنظرةٍ خلت من الټهديد، ربما لأن الۏجع كان أكبر من كل شيء.

دخلتُ الغرفة، كانت نجلاء تجلس بوهن، وجهها شاحب، لكن عينيها لا تزالان تحملان ذلك البريق الذي عرفتُه قبل 12 عاماً.
جلستُ عند قدميها، لم أستطع النظر في عينيها مباشرة، وبدأتُ أتحدث.. ليس تبريراً، بل اعترافاً. حكيتُ لها كيف بدأتُ حياتي محطماً، كيف جعلني الخـ,ـۏف من الفشل والفقر أرتكب حماقاتٍ جعلتني أعبد الستر على حساب الصدق. قلتُ لها يا نجلاء، كنت كاذباً في كل شيء، إلا في حبي لكِ. الخـ,ـۏف كان ينهشني، كنت خائفاً أن تري فيّ ذلك الرجل الفقير المديون، فقررتُ أن أكون رجلاً آخر.. كنت أحبك لدرجة أنني فضلتُ أن أكون كاذباً على أن أكون فاقداً لكِ.

بكت نجلاء، بكت صمتاً طويلاً. ثم مسحت دموعها وقالت بصوت ضعيف الصدق يا محمود، هو اللي بيخلي الحب يعيش. إنت بنيت حياتنا على رمال، والرياح كان لازم تهدمها في يوم من الأيام.
لم نعد لبعضنا في تلك اللحظة. لم يكن الأمر بتلك البساطة. لكنني بدأتُ رحلة الترميم. بدأتُ أعمل بجد، أسدد ديوني القديمة علناً وأمام الجميع، وبدأتُ أطلب السماح من أهلها واحداً تلو الآخر، ليس لأجل
العودة، بل لأجل التوبة.
بعد عامٍ كامل من التغيير الحقيقي، وبعد أن رأت نجلاء أنني لم أعد أختبئ خلف الأكاذيب، حدثت المعجزة. طلبتْ رؤيتي.

جلستْ معي وقالت أنا مش هنسى، والشرخ هيفضل موجود.. لكنني قررتُ أن أعطي ابنتنا فرصة لترى أباها الحقيقي، الشخص الذي تعلم كيف يكون صادقاً.
لم نعد لبيت واحد، لكننا بدأنا نلتقي كأبوين، وبدأتُ أرى في عيونها ولأول مرة نظرة لا تحمل احتقاراً ولا شفقة، بل تحمل تقديراً بسيطاً لهذا الإنسان الجديد الذي أحاول أن أكونه.
الدرس الأخير الذي تعلمته أن الحقيقة وإن كانت مؤلمة، فهي الوحيدة التي تبني بيتاً لا تهزه الرياح، وأن القوة ليست في إخـ,ـفاء أخطائنا، بل في الشجاعة على مواجهتها، مهما كان الثمن.
تمت

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى